نشر أول: 14.07.2009
آخر تحديث: 10.09.2013
  • عودة بشارات

هذي المنقوشة لي

للقراءة السهلة
إذا كانت النُّدرة "القّلّة"، في العصور الغابرة، سببًا لبؤس البشر، فقد أصبحت الوفرة اليوم سببًا لبؤسهم ..الكاتب عودة بشارات يكتب عن التقشف
المنقوشة

اختيار التفاحة الأفضل، هذا هو امتحانك العظيم في المرحلة الراهنة، فمن بين العرض الهائل من التفاح، هنالك تفاحة واحدة فقط ستحصل على الشرف الرفيع؛ الإقامة المؤقتة في معدتك. وهذا هو الحال مع شطيرة المنقوشة التي تنتظرك في الصباح، شطيرة واحدة لا غير من بين جبال المناقيش بالجبن والزعتر، وبعد أن يَضُب الليل رمسه، ستدخل في لجة معركة ضارية، وسط جوع لا يرحم، للتصدي للقمة طائشة تحاول الدخول، مستغلة حالة ضعف عابرة أو اختلاط الأمور عليك، من فرط المعاناة، فيظهر لك ضلع الخروف السفاح، مجرد أوراق خسة خضراء بريئة.

الاسم الحركي هو نظام "الدييتا"، أما الاسم العسكري الصارم فهو "تنظيم حركة الدخول للمعدة"، ففي سن الخمسين تكتشف إنه إذا واصلت جعل معدتك، مجمّعًا لكل سفاهات ورذائل العالم فلن تصمد، لا من حيث طول العمر ولا من حيث الراحة الشخصية، والذي يقول لك إن المهم أن تعيش اللحظة، فهو لا يدري، إنك لا تستطيع أن تعيش اللحظة كما تريد في ظل الشهية الزائدة التي تجتاحك، فبعد الوجبة الفخمة، ستقضي ساعات من المعاناة، لا أنت على البحر ولا على البر، حين يكبس الطعام على نَفَسك، فتجتاحك حالة من الندم إنك استسلمت لغرائزك، وجعلت من الساعات التالية حملاً لا يًطاق.

اللعنة في الأمر انك مضطر أن تتبني نظام التقشف في عالم من الوفرة، حيث الغذاء يطل عليك من كل حدب وصوب، كيف ستتقشف في تناول الكنافة، و"سدور" الكنافة، تملأ المكان، و"نظام حركة الدخول للمعدة" يتطلب منك تناول نصف النصف من قطعة الكعك، بينما أمامك هرم من قطع الكعك بالشوكولاته والجبن والتفاح. مطلوب منك أن تتمختر بكل العفة أمام أطباق الخروف المحشي والستيكات المشوية، وفي الصباح أمام أطباق الفول والحمص واللبنة والأجبان والمناقيش الطازجة.. وأمام كل ذلك تقول، بكل أباء وشمم: "معلش أنا عامل دييتا"..

نعم، هذه هي اللعنة الجديدة التي تلاحق بني البشر، في السنوات الخمسين الأخيرة، وعنوانها، "التقشف في بحار الوفرة". قبل خمسين عامًا، كانت هذه الوفرة غريبة، وعندما تقول لك فيروز "كان غير شكل الزيتون" فهذا غير صحيح، فالزيتون، كما الليمون، بقي على حاله، ولكنّ كمياته ازدادت بشكل هائل، وكلما ازدادت الأغذية، فحتى طعمها، الذي وإن بقي على حاله، يتغير في فمنا.. عندما كنا نأكل اللحوم، فقط في ليلة العيد، كانت هنالك أبهة ورونق للحمة، ولكن عندما يزداد الخير ينقلب إلى لعنة. وربما لم ينتبه الفنان جورج سيّدهم، في مسرحية "المتزوجون"، عندما قال شاتمًا أحدهم: "عليك اللحمة"، إن هذه الجملة هي أفضل تعبير عن حالتنا اليوم، وأنها ليست مجرد تلاعب بالكلمات، وهكذا الأمر لدى المريض الساذج في النكتة المصرية الذي ظن أن الطبيب يجامله حين قال له: "بولك فيه سكر" فرد المريض بمجاملة أجمل: "دا انت اللي بولك عسل يا دكتور".. هذه ليست مجرد نكتة.. تخيلوا مريضًا غارقًا في الدهنيات والسكري، وواحد خالي البال يحييه بوجه بشوش: "نهارك عسل".. هذا الكلام الطيب والبريء هو بمثابة الدعوة عليه بالعذاب.

ونعود للأصول فإذا كانت النُّدرة ("القّلّة")، في العصور الغابرة، سببًا لبؤس البشر، فقد أصبحت الوفرة اليوم سببًا لبؤسهم، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، حين تحدث ماركس عن اللعنة في وفرة الإنتاج بصفتها المسبب الأساسي للأزمات الاقتصادية في النظام الرأسمالي. اليوم هذه الوفرة تسبب ألمًا مضاعفًا. ففي حين لم يشكل التقشف مشكلة أمام أجدادنا، لأنه يمكن أن تتقشف، بسهولة، في أجواء التقشف، فإن التقشف يصبح معضلة، ومعاناة، في أجواء نقيضه للتقشف.. لو سمعوك قبل مئة عام، وأنت تئن من فرط المعاناة، بأنك تكتفي ببيضة في الصباح وشريحة من الدجاج لدى الغذاء، سيقولون إنك "ابن عز".. وعندما تقول اليوم معتزًا بنشاطك الجسماني، إنك تمشي على "الجهاز" مدة ساعة في اليوم.. لو قلت هذه الجملة قبل خمسين سنة، لبادرك الأصدقاء بالسؤال قلقين، بسبب قلة الحركة لديك: "سلامتك.. يظهر إنك مريض؟". مطلوب من الإنسان في العصر الحاضر، أن يكون حاضرًا بجسده غائبًا برغباته، مطلوب منه أن يكون راهبًا، ليس في دير معزول، بل على خط النار مباشرة، محاطًا بكل الرذائل. 

ولكي تخرج من هذا الإشكال يجب أن تقرر الآن، بجبين مقطب، تقطيبة المقبل على معركة حياته، إن معدتك ليست حقل تجارب لهذا الصديق أو الصديقة، "تذوق هالكعكات"، يلحون في العزيمة، "تفضل كل.. كلها شقفة جاجة"، وعليك أن تقرر، أيضًا، إنك الحاجب لهذه المعدة، البلاط الملكي، وإنه إلى هذا البلاط الملكي الفاخر، لن يدخل سوى ما يستحق الدخول؛ الخوخة الأجمل والتفاحة الأنضر والموزة الأرشق، وكل ذلك بعد أن تتفقد أوراق العابرين، وكشف حالتهم الصحية؛ كم سعرة حرارية يحملون؛ هل تحوي حقائبهم "ممنوعات" كالكولسترول السيئ أو هل تختفي في جيوبهم كميات صغيرة من السكر؟.. وبعد ذلك يجب تبليغ سعداء الحظ من العابرين، أنهم لن يمكثوا طويلاً، فصاحب هذا البلاط الملكي سيقوم سريعًا بنشاط جسماني عاصف.

ولا بأس أنك ستخسر، في هذا المعترك، أشياء جميلة قد ملأت حياتك؛ من عزائم لا تنتهي على كعكة ومنقوشة وصحن فول ومحمر وشواء.. لا بأس، وكما قال صديقي، في تألق غريب لا يناسبه: لقد أخذنا نصيبنا وأكثر.. الدور الآن للأجيال الصاعدة.

ونعود لفيروز التي تواصل أغنيتها: "كان أوسع هالصالون"، فالحقيقة إن الصالون بقي على حاله أما أجسامنا فهي التي تضخمت، ولذلك ضاق الصالون. هكذا نحن دائمًا.. نتغير، تتغير أحجامنا ونفسياتنا، وفيما بعد نتهم الغير بالتغيير! أما محمود درويش، هذا المتقشف بطبعه، فلم يشمل الغذاء في تعداد ممتلكاته- ممتلكاتنا- في رائعته -"الجدارية"- "هذا البحر لي.. هذا الهواء الرطب لي".. ولكن لا بأس أن يضيف المنقوشة، في لجّة العناء الممض جراء هذه "الدييتا" القسرية.. نعم، لا تقتربوا منها.. هذي المنقوشة لي.

من المنتديات

​مرحبا..انا الان حامل في الاسبوع 21 .هل تنصحيني ان العب رياضة وتحديدا على الدراجة الثابة.؟ وما هو الوقت المناسب والمدة ؟

مجلة كلاليت

أوافق على تلقي رسائل لبريدي الالكتروني