نشر أول: 04.08.2009
آخر تحديث: 18.08.2013
  • عودة بشارات

الله يخلي الاولاد...

للقراءة السهلة
إذا كانت الإحصائيات والتراكمات بمثابة قضاء وقدر بالنسبة للفرد، قد تصيب أو لا تصيب، فإنها تصبح بالنسبة للمجتمع حقائق علمية ، لماذا نخلّف الأطفال ونحن نُرضعهم مع الحليب، الإحباط والتسليم بأننا أقل من الآخرين
تربية الاولاد

يدخل الطبيب ليُطمئن المريض الذي يعيش حالة من الفزع الشديد بسبب العملية الجراحية الخطيرة المقدم عليها. الطبيب بوجه بشوش وبابتسامة عريضة تحتل وجهه، يقول:

- ابشر يا عم، عمليتك ناجحة مئة بالمئة..

المريض الذي شعر وكأن عبئاً بثقل الجبل قد بدأ يحل عن ظهره، يعلّق عينيه بالطبيب ليستمع للمزيد من التفاصيل عن هذا التحول المفاجئ في تقدير خطورة العملية، الطبيب يشرح:

- كما ذكرت لك.. حسب الدراسات الموجودة لدينا، فإن نسبة نجاح العملية هي 10% فقط، وقد وجدنا اليوم، أن التسعة الذين أجروا نفس العملية قبلك قد ماتوا جميعًا، ولذلك، فعمليتك ناجحة بالتأكيد، فأنت العشرة بالمئة الناجحة.

لا نعرف إذا كان المريض قد اطمأن بعد هذا التحليل العبقري، ولكن السؤال المطروح، وبشكل جدي هو: هل نسبة نجاح العملية العاشرة ستكون 10% كباقي الحالات، أم هل ستكون نسبة النجاح فيها 100%، حسب ما قاله الطبيب.

وسؤال آخر مقلوب، إذا كان، حسب الإحصاءات، هنالك احتمال وقوع إصابة عمل لكل مئة عامل خلال سنة، فهل وقوع الإصابة في الحالات العشر الأولى، يعني أن نُطمئن أنفسنا بالنسبة للحالات التسعين الباقية؟ أو، وبشكل آخر، هل تضاءلت نسبة احتمال وقوع الإصابة في الحالات التسعين الباقية إلى الصفر. 

هذه الأسئلة تراودني في مواجهة نزعة تواجهنا، بنسب متفاوتة، في اتخاذ إجراءات الحيطة، حين نقول لأنفسنا، مثلاً، هذا الدرج منذ عشر سنوات وهو بدون درابزين ولم يتسبب بأي حادث، والسؤال الذي يُسأل، هل اعتمادًا على تجربة السنين العشر الفائتة، يعني أن الدرج بدون درابزين أصبح آمنًا، أم انه، وبالذات لأنه قد مرت عشر سنين بدون حوادث، فقد ازدادت الاحتمالات لوقوع الحادث، لأن هنالك قانون الاحتمالات والتراكمات، الذي يقضي بوجود نسبة معينة من الحوادث (وبالتالي المصائب).

الأمر ليس مقتصرًا على الحوادث فقط.. لنأخذ اليانصيب مثلاً: في حال فوز جارك، بالجائزة الأولى، فهل، من حيث قانون الاحتمالات، عليك أن  تسارع لشراء بطاقة يانصيب، أم بالعكس تمامًا، فاحتمالات فوزك بالجائزة الأولى كانت أكبر قبل فوز جارك، لأن احتمالات الفوز بالجائزة الأولى، مرة ثانية من نفس الشارع أو من نفس العائلة، هي اقل بكثير من المرة الأولى، ومع ذلك فبعد الفوز بالجائزة الأولى ستجد الكثيرين يهرعون لشراء بطاقات اليانصيب، مع أن المنطق يقول أنهم لو شاركوا في اليانصيب قبل فوز ابن حارتهم، لكانت فرص الربح أكبر.

ليس المنطق، إنها الرغبة في تقليد النجاح وفي الثراء، هو الدافع لشراء اليانصيب.

وهكذا الأمر لدى احتراق بيت الجار، فالهلع، وليس المنطق، هو الذي يجعل الناس يسارعون للتأمين على بيوتهم بعد احتراق بيت لم يكن مؤمنًا، مع أن احتمالات احتراق بيتين متجاورين هو اقل من احتمال احتراق بيت واحد.

والهلع، وليس المنطق، هو الذي يدفع الناس لأخذ دورات إسعاف أولي، بعد العجز عن إسعاف قريب كان بحاجة لخبير في الإسعاف الأولي.

ونفس السؤال يطرح في حالات كثيرة كهذه، فلماذا فقط لدى وقوع المصيبة يسرع أصحاب البيت إلى تصليح الدرج، أو إقامة الدرابزين أو الطفطاف أو ردم الحفرة، مع أن المنطق يقول أن كل هذا الحذر المبارك يجب أن يكون أيضًا قبل أن تقع الواقعة (مع انه جيد جدًا، أن يتم أيضًا بعد وقوع الواقعة).

باختصار هنالك بون شاسع بين إجراءات الحذر لدينا وبين المنطق، مع أننا نملك كمًا لا بأس به من التراث الجميل للتأكيد على أهمية الحذر، مثل ذرة وقاية خير من قنطار علاج، أبي بجبر الإيد قبل ما تنكسر، وما إلى ذلك..

يتم بناء بيت بمئات آلاف الشواقل، وبالذات لدى بناء الطفطاف، ذي الكلفة القليلة نسبيًا، تنفذ النقود، ناهيك عن الدرابزين الذي ما زال مصنوعًا من الخشب الآخذ بالتآكل، وهنالك أيضًا أسياخ الحديد التي ما زالت خارجة من جدار البيت، فصاحب البيت خائر القوى من المصروفات الهائلة التي قد وظفها في البناء، بالذات يقصّر في الشغلات الصغيرة التي هي كبيرة جدًا.. في قضايا الأمان.

وفي هذا الصدد تنشأ لدينا مسألة هامة أخرى وهي التقرير في سلم الأولويات، وهو سؤال بالغ الأهمية، فلو قلنا مثلاً أنه قد  توفر لصاحب مشروع بناء البيت مبلغ عشرة آلاف شيكل، وطُرح أمامه الخيار المضني إما أن يَبني واجهة البيت بالحجر اليابس، أو أن يقيم درابزين على جانبي الدرج، (المشروع الأول يندرج في إطار جمالية البيت والثاني يندرج في إطار سلامة أهل البيت وخاصة الأولاد) فماذا سيكون خياره حسب رأيكم؟.. بالضبط، سيختار تلبيس الواجهة بالحجر اليابس.. مشروع الدرابزين يندرج في مجال الأمور الثانوية.. لماذا لأن اللي إلو عمر ما بتقتلو شده.

هذه الأمور تؤخذ بهذا الشكل وبهذه القدرية لأنها تتم على الصعيد الفردي. وصادق ذلك الفرد، نوعًا ما، حين يقول لك، أن نسبة خطر بنسبة 5%، تعني أيضًا سلامة بنسبة 95%، ولكن على صعيد المجتمع بأسره، فإن الوضع مختلف تمامًا، فاثنين بالمئة تعني إصابة المجتمع بشكل مؤكد، باثنين بالمئة.. لا مكان للهرب، ونسبة نجاح بقيمة 5%، التي قد تصيب هذا الفرد وقد لا تصيبه،  ستصيب بالتأكيد المجتمع بأسره، ومن هنا فإذا كانت الإحصائيات بمثابة قضاء وقدر بالنسبة للفرد، قد تصيب أو لا تصيب، فهي بالنسبة للمجتمع حقائق علمية، لا يمكن التهرب منها، حتى لو دخل المجتمع في خزانة محكمة الإغلاق.

خذوا مثلاً قضية دورات الاستكمال للموظفين الحكوميين، في كافة المرافق، التعليم والصحة والزراعة والمعارف والرياضة.. هذه الدورات قد يقول لك موظف، على الصعيد الشخصي، كلها طق حنك، وأنها فقط وسيلة من أجل زيادة المعاش، وقد يقول آخر: منقضّيها نشرب قهوة.. ولكن في المحصلة، وبالرغم مع كل المظاهر الاستهتار والاستخفاف فهذه الدورات، على الصعيد العام تطور العمل، حتى لو بنسبة 5%. وعلى الصعيد العام 5% هي نسبة معتبرة.

على كل حال نظرية الاحتمالات ممتعة ومعقدة، ومن المفضل، لي على الأقل، أن لا أتورط بها لأنك قد تدخل اللعبة واثق الخطوة، وتخرج، إذا خرجت أصلاً، أكثر حيرة..  ولكن ما يعنينا هنا، وخاصة في فصل الصيف، أن في كل الحسابات، سنجد أن المواطنين العرب في المكانة الأولى، مقارنة مع المواطن اليهودي، في عدد إصابات في العمل وفي مرافق الترفيه، مثل السباحة، وفي الإصابات البيتية، والأمر الأكثر إيلامًا هو في نسبة إصابات الأطفال.

وإذا كان فرد ما يسمح لنفسه، بتجاهل وسائل الحذر، فمجتمع كامل لا يستطيع أن يتجاهل ذلك.. المجتمع، إذا رفض التعامل مع نفسه كمجرد تجميع لأفراد، بل ككيان له تقاليده ومؤسساته ومكوناته الروحية والفكرية والتاريخية، عليه أن يضع قضية صد المصائب التي تصيب الأفراد في مركز متقدم في سلم أولوياته، وهذا يؤثر على مجمل حياة المجتمع، وهنالك الكثير مما يمكن لنا أن نفعله، ويمكن تحضير قائمة، بما يمكن فعله، من الرصيف المعد للمشاة، وقد أصبح موقف سيارات، وخاصة سيارات الخردة، فيصبح الشارع الخطر رصيفًا للأطفال، وكذلك الأمر مع الأجهزة التالفة المنتشرة بين البيوت، حين تصبح مصائد موت للأطفال، إلى الدرج المكشوف، والنتوءات الحادة، والماء المغلي بجانب الطفل..

وهنالك إحصائيات، غير مشرفة، عن الوضع لدينا، منها أن نسبة إصابات الأطفال العرب هي ثلاثة أضعاف منها في الوسط اليهودي، وأن الحوادث لدينا هي المسبب الأول للموت لدى شريحة الجيل من صفر حتى 17 عامًا. أحيانًا ينشأ السؤال ما هو ذنب الطفل لذي جلبناه للحياة، إننا نضعه في بيئة خطرة بثلاثة أضعاف من البيئة المجاورة، وفي الوقت نفسه، لماذا نخلف الأطفال ونحن نُرضعهم مع الحليب، الإحباط والتسليم بأننا أقل من الآخرين، حين يقول لك طفل لم يخرج من قشرة البيضة، وذلك بعد أن قلنا له، إنه في المدينة اليهودية، الشارع أوسع، والجنائن أفضل.. هل سنقول له أن كل ذلك سياسة تمييز، تمييز على راسي فوق عيني، سيقول ونقول، ولكن غير التمييز ألا يوجد شيء يخصنا، شيء ساهمنا به.. وخاصة في حفظ  سلامة الطفل.

نحن شعب يحب الأولاد ونقول بيجي الولد وبتيجي رزقته معاه.. والأولاد سعادة وبركة، يغني الفنان شلومو بار، بكلمات يهوشواع سوبول، ولكن بعد أن نجلبهم إلى الحياة علينا أن نعمل كل ما في وسعنا لكي تكون حياتهم سعيدة، كما يجعلون هم حياتنا سعيدة، وقبل ذلك، قبل أن نجعل حياتهم سعيدة فلنحافظ على حياتهم، وقلنا سابقًا، وفيروز غنت كذلك: الله يخلي الاولاد.. وانشالله بمرُق هالصيف على خير.


* عودة بشارات - كاتب وصحفي - يافة الناصرة

من المنتديات

​مرحبا..انا الان حامل في الاسبوع 21 .هل تنصحيني ان العب رياضة وتحديدا على الدراجة الثابة.؟ وما هو الوقت المناسب والمدة ؟

مجلة كلاليت

أوافق على تلقي رسائل لبريدي الالكتروني